جلست في غرفتي أتأمل في أفكار مبعثره من هنا وهناك وكأنها دخان يبدأ كثيفا ويتلاشى سريعا وقد قاربت الساعه على العاشره مساءاً حيث يرفض العقل الاستمرارفي العمل ويبدأ السكون في التحرك بنعومه ، ودون مقدمات يأتي صوت أمي الجهوري مدوياً كعادتها ليبعثر أدخنة أفكاري:
- ما تنسيش بكرهاعتدلت في جلستي وتنازلت عن حالة السكون التي أعيشها ، علي أن أستعد لهذا اليوم فهو يوم غير عادي ، إنه يوم من أيام عمري التي تترك في نفسي آثاراً لا يمكن مسحها ، أخرجت قائمة المتطلبات من درج مكتبي ، المطلوب هو كرسي وشمسيه ، نظارة شمس ، ملابس فضفاضه مريحة ، حذاء جلد طري ذو نعل مريح وقليل من المأكولات والمشروبات المثلجة لزوم التسالي.
- مامييييييييييي الكوتشي ابو نعل طري بتاعي فين؟
- مش عارفه يا حبيبتي شوفيه تحت السرير
- مش تحت السرير دورت عليه مش لاقياه
- آه افتكرت ياحبيبتي ، بنت خالتك جت خدته
- وتديهولها ليه انتي عارفه اني هاقف كتير على رجلي بكره
- معلشي اهي زي اختك ماقدرتش اقول لها لأ
- يقطع كلمة معلشي ويقطع القرايب ، كده اليوم هيبوز
- ماميييييييييي ياماميييييييييييي فين الشمسيه البيضه بتاعتي؟
- خدي الكاب مش لازم الشمسيه
- لأ أنا عاوزه الشمسيه
- بنت خالتك خدتها
- تاني؟ هوه احنا مافيش ورانا غيرها ، كده اليوم هيبوز
- أصلها كمان خارجه يوم زيك كده ، معذوره ، تصوري الحاجه كلها خلصت من السوق؟
أصبح الوقت متأخراً ولن أجد دكاناً لأشتري ماينقصني ، لابد من طلب المساعده من الآخرين في مثل هذه الحالات وليس أمامي سوى المعارضون لي دائماً إنهم إخوتي الصغار ميزو وسوزي ، سأبدء بميزو.
وذهبت إليه في غرفته حيث يستعد للنوم ، يوووه لقد نسيت إحضار الشيكولاته التي يحبها ، ستكون مفاوضات شاقة:
- ميزو حبيب أخته
- نعمين
- الكرسي يا ميزو
- الكرسي ده بتاعي ، باب جابهولي بإسمي
- ميزو حبيبي ماتبقاش رخم بأه ، وفيها ايه لما آخده ، ده بكره بس ، ماتبوزش عليا اليوم
- انتي بتتأخري ، وانا بحب أتفرج على التليفزيون وانا قاعد عليه
- علشان بيتطبق ياميزو ياحبيبي وخفيف
- اشتري لك واحد تاني
- ماهوه خلص من السوق والله مش لاقيه زيه
- يووووه انا زهقت بأه
- وانا كمان ياحبيبي زهقت أكتر منك ، بعدين ما تخللينيش أقلب عليك
- ما بتتهددش
- ياميزو انا ممكن أقول لبابا انك اشتريت شوكولاته شكك امبارح من البقال ، بس انا مش هاعمل كده عشان انا طيبه
- أوف بأه ده انتي غلسه قوي
- الكرسي فين ياميزو؟
ونجحت الخطه ، والآن يأتي الدور على سوزي ، لا أستبشر خيراً بها فهي أكثر ضراوة من أخيها نظرا لقرب السن بيننا ولكوننا من نفس النوع ولكن ماذا عساي أن أفعل:
- سوزي حبيبة أختها
- نعمين
- البلوزه البيضه ياسوزي
- البلوزه دي بتاعتي ، بابا جابهالي باسمي
- يا سوزي ياحبيبتي البلوزه دي بيضه وقطن و بتريحني في اللبس
- اشتري لك واحده تانية
- ياحبيبة قلبي ما عنديش وقت
- ماليش دعوه ، بعدين أنا هاخرج بيها بكره
- ياسلام وحبكت يعني بكره ، ماتبوزيش عليا اليوم ، والنبي ياسوزي
- ظروفي كده
- وانتي قاعده مجعوصه كده ليه ، عيب ده انا أختك الكبيره
- ياأختي ياكبيره عيب لما تلبسي هدوم أختك الصغيره
- لأ مش عيب وخصوصاً ان احنا اخوات وبنساعد بعض
- انتي ما بتساعدينيش ، فاكره لما طلبت منك السلسله بتاعتك وما رضيتيش تديهاني؟
- فاكره؟؟؟ انتي بتهرجي؟ الكلام ده كان من تسع شهور
- وايه يعني؟
- أنا آسفه ، ما كنتش عارفه إني هاتذل كده ، هاديها لك بكره
- لأ هاتديهالي دلوقتي وهتفضل معايا شهرين وإلا ما فيش بلوزات
- إنتي أصلك إيه؟ يهودي؟
- يعني هاجيبه منين؟ مانتوا كلكوا يهود في البيت ده ، ده أنا اللي غلبانه فيكوا
- ما أنا مش لاقيه لك غلطه ، مضطره أوافق ، هاتي البلوزه
- السلسله الأول
اتجهت الى الصالون أمشي كمن خسر المعركه مطأطأة الرأس أجرر أذيال الهزيمة ، رفعت سماعة الهاتف واتصلت بمدير التحرير:
- آلو ، مساء الخير يافندم.
- مساء الخير، إزيك
- ممكن يا سعادة الريس آخد أجازه بكره
- ليه؟
- ماانت عارف ياريس ، بكره اليوم بتاعي
- آه نسيت ، أتمنى لك يوم سعيد ، بس على الله الجو مايبقاش حر
- شكله كده هيبقى حر قوي واليوم هيبوز
- أنا موافق ربنا يوفقك
- سلام
- سلام
تمت كافة الاستعدادات وعلي أن أنام مبكره حتى أستطيع الاستيقاظ في موعدي ، واستسلمت لزائر الليل وأغمضت جفوني. إستيقظت في السادسه صباحا ولملمت أغراضي سريعا في حقيبه كبيره ، نظرت من النافذه فرأيت الشمس ساطعه أكثر من أي يوم آخر ، وكل من في البيت يغطون في نوم هادئ وعميق.
اعتقدت أني أول من سيصل الى الموقع ، نظرت فوجدت أكواماً من البشر وقد رسمت شكلاً دائرياً غير منتظم ذو رأس مدبب يتجمع حول نقطة واحده صغيره لتكبر الدائره وتتسع وتدور حول هذه النقطه ، وكأنهم باتوا ليلة أمس هنا في انتظار الفرصه ، لا يهم فأنا على أتم استعداد. وقفت حوالى الربع ساعه حتى رأيت جارتي أم أيمن وقد جاءت تهرول تكاد تسقط من ثقل الحقيبه التي في يدها وتنظر الى الناس في ذهول .
قلت لها:
- انتي ايه اللي أخرك كده ، أنا هنا من بدري ، مارضيتش أقف في الطابور إلا لما تيجي
- على ماصحيت من النوم ، أصلي نمت امبارح متأخر ، ها ، هنرغي في ايه النهارده؟
- اللي انتي عايزاه
- شوفتي الواد الحليوه؟ باين عليه ماجاش النهارده
- لأ انتي ماخدتيش بالك ، ده الوليه اللي اتخانقت مع جوزها ماجتش برضه
- يانهار ، نسيت أجيب إزازة الميه الساقعه
- ما تخافيش انا عامله حسابي
- طول عمرك أروبه
- علشان اليوم مايبوزش
- بصي بصي شايفه الوليه اللي بتتسحب وعايزه تخش وسط الطابور
- ولا يهمك استني لما أولعها لك.
وصرخت بأعلي صوتي: جرى ايه ياجدعان ، ما حدش عنده دم ولا إيه ، شايفين الوليه بتتسحب وما حدش بيفتح بقه؟
وفعلاً فتحت الأفواه على مصراعيها وبدأت تتصاعد ريميكسات وسونجات الردح العلني من كل إتجاه.
والاستماع في هذه الحالات أمتع من أي شئ آخر ، فتحت علبة البيبسي المثلجة وجلست على الكرسي واضعة رجل على رجل ورأسي الى الوراء في استمتاع شديد وبدأت الأصوات تتعالى ، صوت يقول : تفتكري ياختي هيرضوا يدوني بخمسه جنيه عيش ، ده يادوب العيال وأبوهم يخلصوهم في طقه واحده ، وصوت آخر يقول: أنا مش فاضي ، لسه ورايا طابور إشارة المرور علشان اقف في طابور المترو واوصل لطابور التقديم على شغل واودي العيش البيت واجي اقف في الطابور هنا تاني ، وآخر وآخر وآخر ليضيع يوم آخر من عمري