إذا حدث أن قابلتك صباحاً في يوم ما وسألتك : أخبارك إيه ، وكانت إجابتك لي : بكره هاتغدى محشي ، فلن أتضايق أبداً ولن أفترض أن ترد علي قائلاً : الحمدلله .... ماشي الحال ..... أو أنا مش قد كده النهارده ، لأنه ببساطه وبدون زعل ..... إنت أيديولوجيتيك كده. فقد حدث أن طلبت من السباك أن يرسل لي شخصاً لتصليح الحنفية المكسورة وبعد عشر ساعات سمعت طرقاً على باب الشقه ، ثم سألت : إنت مين؟ أجاب : أنا محمد الكهربائي الأسطى باعتني ليكي ، وقلت له بس أنا عاوزه سباك ، وكان رده : ما أنا باصلح حنفيات ....... وكان طبيعيا ً وفي المرة التالية حينما احتجت إلى نجار لتصليح الدولاب قمت اتصلت بالنقاش. والأيديولوجيا هي الأفكار والمعتقدات التي يؤمن بها الناس والتي بناءاً عليها تقودهم إلى رد فعل وسلوك معين تجاه فعل معين ، لذا عزيزي القارئ مت غيظاً وكمداً فأنا أيديولوجيتي كده ولن أتفق معك أبداً.
ويتشكل الوعي الخاص بالفرد ويستقي قيمه واعتقاداته من خلال ما يتلقاه من البيئة المحيطة به ويؤمن بها ويطبقها ، ففي أثناء تواجدي في جلسة عائلية ، جاء إبن أحد الحضور وقد اتسخت ثيابه وبدا عليه أنه قد خرج تواً من معركة حاسمة مع أحد الأطفال ، وعندما رآه والده تحول وجهه إلى فم كبير ضاحك وسأله : ها ..... عملت إيه يا وحش ، وجاء الرد : ما تقلقش يابابا قطعته وبهدلته وخلليت مامته تعيط عليه ، واندهشت من الفعل ورد الفعل ، فقلت للأب : هو حضرتك بتشتغل ضابط؟ فأشار بالنفي ، وسألته : يبقى أمين شرطه؟ وأشار بالنفي أيضاً .... يبقى مافيش غير انك موظف مطحون ، وتساهم الحكومة في تشكيل الوعي العام والتأثير عليه ، فقد أوحت إلينا عن طريقً مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء بأن ٨١% من المصريين سعداء، ، ثم بعد ذلك أن ٧١% من المصريين راضون عن أداء الحكومة ولا أدري كيف تم اعتماد النتيجة ، فلربما كانت عينة البحث من رجال الأعمال أو المصريين المقيمين بالخارج.
وحتى الأيديولوجية الخاصة بالحكومة هنا مختلفة ، فالحكومة تمارس دورها كأم للشعب بعدما استمعت إلى أغنية عفاف راضي مصر هي أمي ، لذا فإن ماما الحكومة مسئوله عن عيالها الصغيرين ولما عيل يغلط تدي له على قفاه ... عادي خالص ما فيهاش حاجه بتأدب إبنها ، ولما يزودها حبتين تدي له علقه .... برضه مافيهاش حاجه إبنها وبتربيه ، ولما يقل أدبه تقوم مامته تحبسه في البيت وتقطع عنه المصروف ، وفي الشارع لا عجب أن يصاب الرجال بالحول حينما يشاهدون سيده ترتدي الحجاب وتلبس بنطلون جينز محزق لأن هذا منتهى العدل ، لو انت متدين بص فوق ولو انت كول بص تحت ، ولو حبيت تسري عن نفسك شويه بص تحت ولما تحس بالذنب بص فوق ، وهكذا نظل نتأرجح بين الأعلى والأسفل. وأنت حينما تسأل سؤالاً لشخص ما لا تأتيك الإجابة وإنما تحصل على كلمات مثل : يمكن ... يجوز ... احتمال ، إجابات كلها عبارة عن تكهنات وافتراضات ، وحتى لو كان السؤال سهلاً ومباشراً وروعي فيه أن يكون على مستوى فهم الطالب الغبي ، ولعل علي سالم حينما أبدع مدرسة المشاغبين كان عميقا جدا عندما تساءل على لسان سهير البابلي ما هو المنطق؟
وعندما انتهيت من عملي بالجريدة وقررت الذهاب الى المنزل ، لم أجد فرصه لأسأل سائق الميكروباص أيديولوجية حضرتك إيه قبل أن أركب ، فهو لم يعطني فرصه سوى أن أقذف بنفسي داخل العربة ، وسقطت على ظهري في وجه أحد الركاب الذي قال : خدي راحتك خالص يا آنسه ، ورددت عليه بغضب : طبعا لأ أنا مش مرتاحه كده ، إنت بقى مرتاح كده؟ ولم يرد علي ، وبدلا من أن أتوجه إلى منزلي طلبت من السائق التوقف عند أقرب مستشفى للحول ، وعندما وصلنا نبهني التباع قائلاً : إتفضلي المحطة بتاعتك يا مدام كانت إجابتي : أنا آنسه يا غبي.