Wednesday, December 30, 2009

قصة قصيرة - بيكياااااا




هذا الشئ ليس إلا واحداً من ثلاث : كائن من خارج كوكب الأرض أو رجل مخابرات أو لص فهو يمشي بثبات ويضرب الأرض بقدميه في عنف ، يهذي بكلمات أجنبية ، طويل القامة وجسده نحيل ، يرتدي جلباباً رثاً ومتسخاً وفوق رأسه المدبب الصغير عمامة توحي بأنه من الصعايدة.

أراقبه من شرفة منزلي منذ فترة ، هو يبدو في هيئته مثل ما يبدو بائع الروبابيكيا بعربته الخشبية المتهالكة التي يدفعها أمامه ، عربته فارغة ، لم ألحظ أحداً ما يشتري منه أو يبيع إليه ، يدور في الشوارع ويصرخ بيكيااااااااا بيكيااااااااا .

بعدها بعدة أيام احتل بعربته ناصية الشارع المواجه لمنزلي، وفي نهاية الشارع وقف كائن آخر يشبهه ويدفع بعربه قديمه تماثل عربته تماما ومكتوب عليها روبابيكيا ، الاثنان قد ظهرا سوية في نفس التوقيت ثم تفرقا كل الى موقعه ، يصرخ كل منهما على الآخر بيكياااااا ويرد الأول بيكيااااا و يصرخ مرة أخرى بيكيااااا ويرد عليه بيكياااااا وعبارات أخرى لم أفهم معناها .

بعدها بيوم واحد فقط ظهر كائنان آخران بنفس الزي والعربة ، ونفس الهيئة والطول والعمامة و الجلباب المتسخ.

إن مظهرهم الخارجي كالبشر ، يتحركون مثلنا ، يأكلون ويشربون ولكن يسلكون عكس ذلك ، فأعينهم الضيقة تدور بزاوية 360 درجة ، رؤوسهم ترتج في عصبية ، ويجوبون الشوارع في أشكال هندسية متساوية الأطوال ، وحين يحل الظلام لا أرى أجساداً بل أسمع أشباحاً تصرخ بيكياااااا بيكياااااا .

أصواتهم المزعجة توقظني بالإكراه في فجر كل يوم لتعلن عن أصحابها، ليس مهماً، فعلى الأقل لم أعد أتأخر عن اللحاق بعملي. أقطن في منطقة راقيه ولا مجال لأي بائع أدوات قديمة للبقاء فيها طوال هذه المدة ، وبالتالي فإن في وجودهم سر ما لا بد أن أكتشفه ، قررت أن أكشف هذا المخطط. في الصباح توجهت نحو أحدهم، ويبدو أنه كان يراقبني لذا نادى علي قائلاً:

-
تعالي يا أبله اجعدي حدي هنه ، آني لساتني دلوكيت جاي من مشوار طويل.

فاجئني ، إرتبكت ، كان لابد أن أستغل أنا عامل المفاجأة ، وبلهجة جادة وملامح حاده وقفت تجاه وجهه مباشرة وقلت:

-
إنت اسمك؟
-
سماعين.
-
انت بتبيع إيه؟
-
زي مانتي شايفه يا بتي حاجات جديمه ، روبابيكيا
-
آه مانا شايفه طبعا ، بس هي فين الحاجات دي ؟ عربيتك فاضيه ، انت هتضحك عليا؟
-
لساتنا ف اول اليوم والرزج بييجي وحديه.
-
إنت في المهندسين ياحاج ، فكرك هتلاقي حد عنده حاجات قديمه؟ وحتى لو عنده ، مش هيستناك تيجي له بعربيتك الخربانة دي.
-
الأرزاج بتاعت ربنه.

لم تجدي أسئلتي له نفعاً ولم ترضي شكوكي ، فقلت له:
-
انت منين ؟
-
أني من العتامنه من جوص مركز جنا.
-
تشرفنا ، أجدع ناس.
-
أومال إيه ، إحنه عيله كابيره جوي جوي
-
أنا قصدي انت ساكن فين؟
-
آني ساكن في المعصره في أوضه بمتين جنيه وبامشي كل يوم على رجلي عشان آجي هنه ، وعندي عيال في المدارس في البلد ، بابعت لهم فلوس يتعلموا ، وإبني الكبير معاه دبلون زراعه بس بيستعر مني ومن شغلتي ، رابنا يهديه.
-
ما علينا ، قوللي ، اللي واقفين هناك دول معاهم حمير ، اشمعنى انت يعني؟
-
كان عندي حماره مفجوعه بتاكل كتير ، أكتر من صاحبها ، يصح كده؟ ده آني كنت باصرف عليها أكتر من خمستاشر اجنيه في اليوم ، بس والله كانت عشريه وكانت بتحبني موت ، الحمدلله المشكله انحلت ، الحكومه خدتها في كبسة تموين.

حماره ومفجوعه وكبسه ! ولم أقدر أن أجبره على الاعتراف ، أحسست بأنه أذكى مني ، وهذا ما زاد شكوكي أكثر.

تركته وانصرفت ولا زلت أسمعهم يصرخون بيكياااااا بيكياااااااا وكأنهم يتغامزون علي ، لم ألتفت وركبت الأتوبيس واتجهت صوب عملي بالمجلة، ظللت أعمل حتى ساعة متأخرة من الليل ولازالت كلمة بيكيا ترن في أذني ، حتى أني دون أن أقصد استخدمتها كثيرا في ذلك اليوم ، فقد قلت لمديري أن المجله أصبحت بيكيا ولا بد من تجديدها ، ومع زميلي أن الراتب الذي نتقاضاه أصبح بيكيا ولا يكفي ، والساعي أخبرته بأن يتخلص من الأشياء البيكيا التي في مكتبي.

كانت الساعه قد قاربت العاشره مساءاً حين دلفت الى الشارع الموصل لمنزلي ، ورأيت أربعة شبان يستندون إلى الحائط في خمول ، انكمشت داخل ملابسي فلا يوجد طريق بديل ، فكرت أن أستنجد بأحد ورأيت أحدهم يتوجه نحوي ، انكمشت في ملابسي أكثر حين خاطبني:

-
مساء الخير يا آنسه.
-
مساء الخير ليه يعني؟
-
باقوووووووول مساء الخيييييييييير ، هما كلمتين وهاسيبك يا بنت الناس ، أنا هاطلع جدع معاكي ومش هاعمل لك عاهه مستديمه ، الرجاله بتوعي مالكيش دعوه بيهم نوهائي ، فاهمه؟
-
مين؟ الروبابيكيا؟ ، آه طبعا طبعا ، أنا فاهمه كويس ، وأوعدك من دلوقتي ولا لي دعوه بيهم خالص ولا حتى هابص ناحيتهم وهاسيبهم يعملوا اللي هما عايزينه.
-
أيوه كده برافو عليكي ، يبقى استبينا

ركضت وبكل ما لدي من قوه قبل أن يكمل حديثه وصعدت السلالم قفزاً ، فتحت باب المنزل بعنف ، اتجهت نحو الشرفة فوجدتهم قد اختفوا ، وفي صباح اليوم التالي ذهبت الى هذا المدعو سماعين وصرخت في وجهه:

-
انت ازاي تبعت لي البلطجيه بتوعك؟
-
آني ما بعتش حد ، بعدين لازمن أجدم لهم تجرير كل يوم عن اللي حاصل ، ده شرط في الإتفاج.
-
للبلطجيه؟
-
أومال إيه ، دولا صحاب المنطجه اللي انتي ساكنه فيها ، ما حدش بيخرج وبيدخل الا بإزنهم ، ده بزنس ، ده آني مأجر الساعه منهم بعشرين اجنيه ، سيبك مالموضوع ده ، مامنوش عازه.
-
يا سلام ، طيب أنا هابلغ البوليس.
-
ولا هيجدروا يعملوا حاجه وياهم.
-
تعرف ان انت نفسك حاجه قديمه.
-
عارف
-
يعني بيكيا وبيبيع بيكيا.
-
عارف
-
بس عارف؟ عاجباني طريقتك في التسويق ، لبس غريب وكلام يشد ، فالناس تحب تتفرج عليكوا
-
تسويج؟ يعني ايه تسويج؟
-
انتوا بتنادوا على بعض وتزعقوا تقولوا ايه؟ ، ما حدش فاهم كلامكوا
-
ولا حد راح يفهمه

سمعت صوتا عالياً يصرخ من بعيد : ( البت توبها انجطاااااااااع) .... (بيكياااااا) ، بعدها رد عليه صوت من الجانب الآخر من الشارع: (والجدع مابجاهشي جداااااااااع) ..... (بيكيااااااااا) ، ثم قلت له :

-
أهو سامع؟ أهو ده السيم اللي قصدي عليه ، انتوا بتقولوا كلام مش مفهوم ، ماحدش يفهموا غيركوا ، انتوا بتقولوه لمين وليه؟ ، كإنكوا من كوكب تاني ، أكيد دا سيم بينكم ، انتوا عاوزين مننا ايه ؟ ، مكانكوا مش هنا لأنكم ناس تانيين مختلفين عننا ، انتوا مش من الكوكب بتاعنا خالص.

نظر إلي طويلا جدا ثم قال :
-
أجعدي واسمعيلهم يا بتي ، مش امهم جاي من مين ومن وين ، إسمعي وطرطجي ودانك زين :

البت توبها انجطع---------والجدع مابجاهشي جدع
البت مظلومه يامه---------دا غيرها كاتير انخدع
ياماي الضماير انداست--------- ماحدش فاهم لي حديت

ُعجدها الألماز انفرط --------- وانهرس تحت الِِِجزم
ومين يلملمك يالولي --------- وكيف الهم ينلم
ياماي الضماير انداست --------- ماحدش فاهم لي حديت

عادش فيه عم ولا خال --------- عادش فيه بني آدمين
ولا نواره وجوده وحسين --------- عادش فاطنه ولا سماعين
ياماي الضماير انداست --------- ماحدش فاهم لي حديت


ياطايبه يابت الأصول --------- خدوكي وباعوكي الولاد
هونتي وهانت دموعك --------- وعللوا عليكي المزاد
ياماي الضماير انداست --------- ماحدش فاهم لي حديت

وجعي كبر لما طرح --------- شوك ضلل على جبيني
صبار وجناين آه --------- ارتوى من دمع عيني
ياماي الضماير انداست --------- ماحدش فاهم لي حديت

م النجمه انادي ع البيكيا --------- م رمسيس لباب الحديد
جلابيتي صارت ُتهمتي --------- وبجيت كيف المطاريد
ياماي الضماير انداست --------- ماحدش فاهم لي حديت

واحشاني يامه وحشتني اللنضه --------- الجاز والجرن ومص الجصب
وصوت الصلاه عالمدنه --------- والخلج خاشعه وساجده للركب
ياماي الضماير انداست --------- ماحدش فاهم لي حديت

واحشاني من الف سنه--------- ساعة العصاري ف عنيكي
ساعة ما تضحكي ف وشي --------- ساعة ما امسك ايديكي
ياماي الضماير انداست --------- ماحدش فاهم لي حديت

جولي لفاطنه ماتزعلشي --------- آني مش هاملها بكيفي
لما عينيها تيجي ف خيالي --------- أخجل وأداري كسوفي
ياماي الضماير انداست --------- ماحدش فاهم لي حديت

عاوزاني أرجع يامه؟ --------- جولي انك عاوزاني
فاكره وليدك سماعين؟ --------- فاكراني ولا ناسياني
ولا انتي كمان مش--------- فاهمه لي حديت

انسابت الكلمات في داخلي ووجدتني أجلس إلى جواره على الأرض ، غنيت معهم ، علا صوتي أصرخ في وجوه المارة ، ثم قلت له:
-
وايش راح تساوي يا حاج؟
-
يا بتي اللي بيساوي ربنه
-
سكان المنطجه ديلا ماعازينش اللي زييك
هب سماعين واقفا في غضب وقد احمر وجهه قائلاً:
-
ليه الناس بتكره الفجير؟ عشان بيشوفوا فيه فجرهم؟ وليه بيكرهوا الأصيل؟ عشان بيكشف مكرهم؟ وليه بيكرهوا الجاهل؟ بيشوفوا فيه جهلهم؟

لم أجد رداً لأسئلته سوى الصمت ، قلت له:
-
ما تيجي نغني احسن
-
ماعادش ييجي منيه ، ما إنتوا لو تهاملونا ف حالنا؟

وسمعت صوت فرامل سيارة تضرب بقوة من خلفي ، نزل منها عدد من رجال الشرطة والتفوا حول سماعين في دائرة كبيره. لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه وظل سماعين ساكناً مكانه لا يتحرك.
- خش يا جدع انت البوكس.

لم يستجب سماعين ، لم يلتفت تجاه الصوت ، بدا منتفضاً وتصلبت عروق وجهه ويديه ، أشفقت عليه ، صرخت فيهم:
-
هملوه لحاله ، ده ما عمالش حاجه.
-
أسكتي انتي مالكيش دعوه وإلا هناخدك معاه.

هجم عليه الرجال ، حاولوا إزاحته من مكانه فلم يتزحزح ، جاء كبيرهم وصفعه على وجهه فلم يهتز سماعين ، انقضوا عليه وقيدوا يداه وقدماه بالحبال ، طرحوه أرضاً ، وسقط على وجهه ، حملوه وقذفوا به داخل سيارة الشرطة.

كان الناس قد تجمعوا يشاهدون الحدث ويهللون لما رأوا سماعين مكبلاً بالحبال:
-
أخيراً هيخلصونا من الأشكال دي ، أيوة كده خللي المنطقه تنضف.


ألقيت بجسدي داخل السيارة ، ارتميت على سماعين وتشبثت بملابسه ، عبثاً حاولوا إخراجي وأنا أصرخ ، تعلقت بيديه ، وجدتها تحاول أن تفلتني في لطف ، أمسكت بها بقوة أكبر ، قلت له : إمسك ابيادي ياسماعين ماتسيبهاشي ، وسارت بنا السيارة تجاه قسم الشرطة.

3 comments:

Anonymous said...
This comment has been removed by a blog administrator.
د.نافذ said...

وصفك للأحداث والمشاعر فعلا رائع وجميل ويدل على عين تلتقط أدق التفاصيل، وقدرة على التماهي مع الشخصية، بس النهاية انا مش مقتنع بيها بصراحة، يعني معقول انك بين عشية وضحاها تتعلقي بهذا الرجل الغريب وتتمني ألا تأخذه الشرطة وتتمني بقائه في الحي بتاعكم!!؟
د.نافذ

ولاء شبانة said...

معك حق د. نافذ ، التحول الى التعاطف جاء مفاجئا للقارئ وبدون تمهيد
دمت بخير وحب